الثلاثاء، 9 مارس، 2010

الغذاء النباتى قد يكون الحل



الغذاء النباتى قد يكون الحل

لعل القارىء الكريم على دراية بما يدعى النباتية Vegetarianism ، والنباتية مبدأ يدعو الى العيش على الخضروات والحبوب والفواكه، وتطبيقاتها المختلفة . ويتبنى هذه النظرية، ما يقرب من عشرة ملايين شخص، فى الولايات المتحدة الامريكية وحدها، وقد أسست جمعيات فى جميع الولايات الامريكية ، لترسيخ هذا المبدأ، والترويج له .كما أدركت قطاعات عريضة من الناس، فى كثير من المجتمعات المتقدمة، مدى أهمية تعود اقتصار الطعام على مصادر نباتية فقط. فما الجذور المنطقية ، والاسس الطبية، وراء هذا المبدأ ؟

كان للتقدم الكبير فى مختلف مجالات العلوم الطبية، أثر بالغ فى تحول الناس الى نباتيين .ويرعى هذا التحول ،بل يدافع عنه بقوة ، غالبية المهتمين بالشؤون الصحية، فى الولايات المتحدة وبريطانيا والدول الاسكندنافية وغيرها .ومن الأسباب الرئيسة التى تدعو هؤلاء الى مناشدة الشعوب الى اللجوء الى الأغذية النباتية، كون هذه الأغذية، تحتوى على كميات مرتفعة من الألياف ، وأنها ذات مستويات متدنية من الدهون المشبعة ، ومن الكوليسترول.
علاوة على ذلك، فإن الاطعمة النباتية، تساهم بدور كبير فى الوقاية من الأمراض الطفيلية Zoonotic Disseases والسرطانية وأمراض القلب.




حقائق الواقع

وفيما يتعلق بالأمراض الطفيلية، أشارت بعض نشرات منظمة الصحة العالمية، الى أن ما يزيد على 160 من الاضطرابات الطفيلية ، تنتقل الانسان عن طريق عائل حيوانى وسيط Host Intermediate Animal. وقد يتبادرالى أذهان المنتقدين لهذا المبدأ ، أو المدافعين عن المأكولات الحيوانية القول بأن هذه الأمراض قد تنتشر بين النباتيين أيضا غير أن هذا قد يعود الى أسباب تعود الى الطبخ المختلط، والظروف غير الصحية ، وأنماط الحياة المختلفة، وغير ذلك. ومما يستحق الذكر ، أن بعض المصادر الحيوانية من الغذاء تزيد من احتمالات انتقال الأنتيجينات الجرثومية الى الدم ونموها، مما يؤدى الى اضعاف انظمة المناعة فى الجسم .

أما بخصوص الأورام السرطانية، فلقد حدثت ثورة ملحوظة فى برنامج مكافحة السرطان والوقاية منه بعد أن كشف البروفسور وينبرغ فى معهد مساشوستس الأمريكى ، حقيقة جين الورم الآدمى Uman Oncogene ، الناتج من طفرة وراثية مرتبطة بأكل اللحوم. ومن المعلوم أن سرطانات الأمعاء Bowl Cancers لها صلة وثيقة بفقر مصادر الغذاء الحيوانية فى الالياف. وتدل دراسات نشرت فى واشنطن، على أن اتباع أنظمة غذائية تعطى قدرا أكبر من الفاكهة والخضار والحبوب، يُنقِصُ من خطر الاصابة بمرض سرطان المستقيم والقولون بنسبة 40% . ويعد هذا النوع من السرطان ثانى اكثر الأمراض انتشارٌا فى الولايات المتحدة ، حيث يصيب سنويا ، نحو 150 أ لف شخص ، كما يودى بحياة 60 أ لفا. وتوصلت بحوث أخرى _ أجريت مؤخرا_ الى حقا ئق علمية مذهلة ، وهى أن الطماطم (البندورة) ،يمكن أن تخفض فرصة تعرض الرجال للاصابة بسرطان البروستاتا .
وقد يكون السبب فى ذلك الأثر احتواء هذه الثمار مقادير عالية من مادة تسمى ليكوبين Lycopene . وتركزت الأنظار فى الآونة الأخيرة فى الترابط العميق بين الاكثار من تناول الطعمة المستمدة من اصل حيوانى ، وما يطلق عليه اسم سكتة انسداد الشرايين

أوMyocardiai Stroke Infarction ، وماقد يتبع ذلك من جلطة القلب (احتشاء القلب ) .
وهناك توجه عام فى الولايات المتحدة وفى بريطانيا وغيرهما ، ، الى خلو الوجبات الغذائية من مشتقات الحيوان ، والى التقليل من اكل البيض .
وذلك لتجنب التركيزات العالية الخطيرة من الكوليسترول ،التى لها أثر كبير فى تسريع تصلب الشرايين Atherogenesis .
وقد تم منح العالمين غولد شتاين وبراون جائزة نوبل تقديرا لأبحاثهما المتميزة التى قادتهما استنتاج أن اسهلاك الطعام الحيوانى يؤدى الى تجريد الخلايا من مستقبلات الكوليسترول، ومن ثم الى تراكمه فى الدم . وهو ما يعانى منه نخبة لايستهان بها من الناس ، ولاسيما الأغنياء منهم



الثوم علاجا

وعلى سبيل المثال لا الحصر ، استخدم الأقدمون فى العصور الوسطى الثوم فى طعامهم، واتخذوه علاجا لكثير من الأمراض ، وأدركوا أن للثوم خصائص مانعة للعفونة ، وفى القضاء على الجراثيم . وأيدت جميع الدراسات الطبية الحديثة ما للثوم من أثر فى خفض نسبة الدهون والكوليسترول فى الدم . وانه - أى الثوم - يزيد سيولة الدم ؛ مما يقلل من احتمالات حدوث الجلطة ، وينشط الدورة الدورة الدموية ، ويقلل من الآلام الروماتزمية.

كما أوضحت دراسة كندية ، أجريت على أكثر من 5 آلاف رجل وامرأة فى سن الخامسة عشرة ، أن تناول الخضار الغامقة اللون والجوز(عين الجمل) والخبز الأسمر والحبوب الكاملة ، له يسترعى الانتباه فى تقليل مخاطر السكتة القلبية . يرى

المختصون أن السر يكمن فى مادة حمض الفوليك ، وهو نوع من أنواع فيتامين ب . وفى مجال آخر ، يقول الدكتور اهنرس من جامعة كوفلر بنيويورك : إننا ندرك تماما أن كثرة استهلاك سكان حوض البحر المتوسط ،لزيت الزيتون على أنه مصدر أساسى للدهون فى الغذاء ، هو السبب وراء ندرة أمراض القلب فى تلك المنطقة .






ظاهرة مثيرة

وفى سياق ارتباط الغذاء بإطالة الأعمار . بمشيئة الله – تُثبت التقارير المتوافرة إنخفاضا حادا فى معدلات البقاء على قيد الحياة Survival Rates فى الهند، إذ توجد نسبة ضئيلة ممن هم فى الثمانينات من العمر. وبالمقابل فإن المثير للاهتمام العدد الكبير من سكان جمهورية أبخازيا Abkhasia فى الاتحاد السوفييتى السابق ، الذين يتجاوز عمرهم المئة عام. ويشار إلى أن معظم السكان هناك نباتيون فى الغالب، وأن أولئك المعمَّرين يتمتعون بصحة ونشاط ، وخفة وذكاء قد يفتقدها بعض الشباب.
وأكدت دراسات طويلة الأمد، شملت مجموعة من المعمرين ، ندرة حالات تصلب الشرايين، والاعتلالات الذهنية، إلا بعد سن المئة .

ومن ناحية أخرى، اكتشف الباحث الأمريكى ، موراليد هاران ناير، من جامعة ولاية ميتشيغان ، أن أكل فاكهة الكرز يخفف آلام الصداع أكثر من تعاطى الأدوية، مثل الإسبرين وإيبوبروفين . كما أن الكرز نجح فى علاج النقرس والتهابات المفاصل.
ويُرجع الدكتور هذا الفعل، إلى المادة الحمراء الموجودة فى الكرز، والمعروفة باسم أنثوسيانين Anthocyanin التى تحث ُ الجسم على إفراز إنزيم مخفف للألم ، كما يفعل الإسبرين.

وينصح الخبير الشهير نورمان ووكر، وهو رائد فى مجال العلاج بالعصائر الخالصة، فى دراسة كشف النقاب عنها فى المجلة الطبية البريطانية بتناول عصائر الجزر والفجل والفلفل الأخضر والسبانخ والكرفس، للتغلب على المعاناة من بعض المشكلات الصحية التى أهمها التهاب القناة التنفسية والسعال والالتهاب الشعُّبى .

الرياضيون

وعند استعراض البُنية الجسدية، والقدرة عل الاحتمال والجَلد ، نجد أن كثيرا من أبطال السباق الطويل Marathon Runners ، وكمال الأجسام ، ورفع الأثقال الذين عرفوا بقدرات استثنائية فوق العادة، كانوا من المفضلين للأغذية النباتية .
وقد بيَّنت الفحوصات الرياضية، باستعمال درجات ثابتة، أن الرياضيين الذين اُخضعوا لوجبات مقتصرة على الحبوب والخضار أظهروا ثلاثة اضعاف قوتهم عندما اُلزموا بتناول أطعمة من مشتقات حيوانية. لذلك فإن الخرافة الشائعة بين الناس، وهى أن اللحوم تجعلهم أكثر قوة، ظنّ زائف، لاعتقادهم أن الأنسجة العضلية للحيوانات تدخل مباشرة فى بناء عضلاتهم، والحقيقة الساطعة تفيد أن كل ما يأكله الإنسان يتحطم ويتحلل الى جزيئات بسيطة فى الجهاز الهضمى.

وبعد، ألم تر أن الفيلة والأبقار والثيران والجواميس والغوريلاتن كلها آكلات أعشاب، فكيف استطاعت النمو إلى أحجام ضخمة قوية،دون الاغتذاء على حيوانات أخرى؟!!

ونتيجة للطلب المتزايد على مصادر الطاقة الغذائية، التمس العلماء أبدالا ً أخرى لها. ولما كان إنتاج اللحوم باهظ التكاليف من الناحية التجارية، إضافة إلى أن انخفاض معدلات تحويل البروتين النباتى الى بروتين حيوانى، فإن من المفضل الانتفاع بمحتوى النباتات المأكولة فى تغذية الإنسان مباشرة. ولا يتوقف الأمر عند تدنىكفاءة تحويلالبروتين النباتى فحسب، بل يتعداه إلى أن ما يتحول حراريا – أى إلى وحدات حرارية – أقل بكثير. ويقدر العلماء أنه يلزم سبع وحدة حرارية نباتية للحصول على وحدة حرارية واحدة فى الحيوان .
يتضح مما سبق أن عملية تحويل الغذاء النباتى إلى غذاء حيوانى قضية خاسرة لما فيها من تبذير فى الوقت الذى تنصب فيه الجهود المكثفة على محاربة سوء التغذية الناجم عن انخفاض المحتوى الحرارى للطعام Caloric Malnutrition.




محاربة الجوع

بينما نرى ملايين الأفراد يموتون جوعًا فى العالم ، يصعب على المرء، من الناحية الأخلاقية، الدفاع عن حقيقة

مضمونها أن ما يربو على نصف كميات الحبوب فى هذا العالم، يقدم للحيوانات ليتم بعد ذلك إطعام اللحوم لأبناء البشر ، ويُحسد هذا المفهوم الاقتصادى أحد البرلمانيين البريطانيين ، هو وذرهل Rt.Hon.Bernard Weatherhill قائلا :
إنه ستتوافر كميات هائلة من مصادر الطاقة الغذائية ، لو تم كسر الحلقة الفاصلة بين الناس ومصادر الغذاء النباتية، والمتمثلة بالحيوانات المدّجنة، بحيث ُتترك للناس تناول طعامهم النباتى، بصورة مباشرة. عندها لن يبقى شخص واحد على وجه الأرض دون غذاء سليم.

وعن التحدث عن الخلفية البيئية لهذا الموضوع، نجد أن الكائنات الحية، نباتات وحيوانات ، تشكل فى واقع الأمر الموطن الطبيعى للإنسان. وقد تم إفساد النظام البيئى Eco-System بدرجة خطيرة، بسبب التدخل البشرى، والمعدلات المتسارعة للتصحر، نتيجة إزالة الأحراج Deforestation ، وما يتبعه من إرباك للتنوع الحيوانى De-animation .
وتعتمد خصوبة الأرض، وتعرية التربة على كثافة الحيوانات التى تستوطنها وتنوعها. ولهذا فإن مذهب النباتية Vegetarianism ، فيه تشجيع وتعزيز لصون أفراد المملكة الحيوانية وحمايتهم . وهذا ما يتطلع إليه خبراء البيئة وأنصارها .

وهكذا، فإنه يمكن الاستنتاج بشكل متوازن وعادل، واستنادا إلى أدّلة منطقية متعددة، أن حركة التحول إلى أغذية نباتية لها ما يسوغها، بل قد تكون أحد المستلزمات الضرورية فى العصر الذى نعيش فيه. العصر الذى عرف فيه الناس جنون البقر، والذى حارَ فيه أطباء البيطرة والبشر.. إننا – بالطبع- لا نستطيع إلغاء اللحوم من موائدنا لكننا نستطيع على الأقل أن نزيد من الخضار والفواكه والحبوب ، والمشروبات العشبية لمحو الآثار السلبية لوجبات اللحوم ومشتقات الحليب.